السيد محمد حسين فضل الله
134
من وحي القرآن
يقرّب الوجه الأول في شخصية أصحاب الأعراف ، وتفسير الفقرة المتقدمة في الآية السابقة . . . وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ في ما كانوا يكفرون باللَّه وكانوا بآياته يجحدون ؛ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ الذي جمعتموه من مال وجاه وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ على أساس المال الذي تملكونه ، أو الجاه الذي تتقلبون فيه ، في ما يدفعكم إليه الاستكبار من إنكار الحق وظلم أهله ، والتطلع إليهم من موقع العلوّ والرفعة ، كما لو كانوا كمّيات مهملة لا توحي بشيء من الاحترام والاهتمام ، لأن مقياس المستكبرين في تقييمهم للأفكار وللأشخاص ، هو القيم المادية التي تحكم الساحة ، من مال وجاه وامتيازات ، ولكنّ ذلك هو شأن الدنيا من خلال ما تتحرّك به المادّيات في التأثير على حركة الإنسان والحياة . . . أمّا شأن الآخرة ، فله مجال آخر ، في ما قدّمه الناس من أعمال صالحة ، وما عاشوه من إيمان وتقوى وصلاح ، ولذلك فإنّ كلّ ما يتركه الإنسان من مال وجاه خلفه في الدنيا ، لا يعني شيئا في عملية التقييم لدى اللَّه ، ولا يغني عنهم شيئا في ما يستحقونه من عذاب وعقاب ، أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ، لأنكم تعتبرون رحمة اللَّه خاضعة لقيم الدنيا في امتيازاتها التي تصنف الناس تبعا لإمكاناتهم المادّية ومواقعهم الاجتماعية . إن هؤلاء هم الذين يملكون الدرجة العليا في الآخرة ، وهم أهل الكرامة والمنزلة عند اللَّه ، الذين أفاض اللَّه عليهم رحمته ، وأسبغ عليهم نعمته . . . * * * أصحاب النار يتوسلون أصحاب الجنة ثم يلتفتون إلى أهل الجنة ، ليقولوا لهم ، بكل محبة وتقدير وتبريك : ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ وهنا يعود الحديث إلى حوار أهل